طُرق للاستكشاف

بعد سنة صعبة، يشعر أليكس ألين بحاجة إلى الانتعاش — وأثناء قيادته عبر وديان أمريكا الحابسة للأنفاس، يستكشف عالمًا رحبًا ومترامي الأطراف

جثيت على ركبتي على جانب الطريق بعد أن نصبت كاميرتي، وكنت أحاول منع يدي من الارتجاف. وخلفي جلست باتسي جراندسون، دليلي من شعب النافاجو، في كبينة شاحنتنا الصغيرة المدفّأة. قالت وهي تطفئ المحرك والمصابيح الأمامية: “ها قد أتت”. وفي الأمام، خرج حصانان، بل ثلاثة، بل أربعة أحصنة بيضاء، وكأنها أشباح تخرج من ظل أحمر ساطع. قالت باتسي بينما كنت أجلس مشلولاً، ليس من شدة البرد، بل من هول المشهد: “فرسان موستانج، في طريقها إلى الماء”.  هنا كنت، في المشهد الأكثر رمزية في الغرب الأمريكي، بين تلك الأعمدة الشاهقة التي تشبه شواهد القبور الصخرية التي خلدتها الأفلام، أشاهد سلسلة من حيواناتها الأكثر شهرة.

في الواقع، كنت في منتصف الطريق تقريباً في مسيرة “الدائرة الكبرى” في أمريكا، وهي جولة مدتها أسبوع تجوب فيها الصحارى المتلألئة والأخاديد التي لا يسبر غورها، والبراري الجبلية في نيفادا وأريزونا ويوتا، مع المرور على ستة من أكثر المتنزّهات الوطنية إثارة على طول الطريق. كان قد مضى حينها شهران على نهاية علاجي من السرطان ، وقد قضيت تلك المدة في الفحوص الطبية والخواطر المرعبة. كنت أرغب في الذهاب في رحلة للتخلص من شواغلي الذهنية التي أبقتني في حالة إحباط لأكثر من عام في أواخر العشرينات من عمري، ولتحقيق أقصى استفادة من التحرر من زيارات المستشفى العادية. ولم يخطر ببالي مكان أنسب لخوض غمار رحلة بمفردي سوى هذا الطريق الأمريكي الملحمي.

GettyImages-972983792
‬نصب‭ ‬منحدرات‭ ‬فيرميليون‭ ‬الوطني

الشيء الوحيد الذي يجب معرفته عن مشاهدة شروق الشمس في وادي النصب في ولاية أريزونا هو برودة الطقس. كنت أسترق الأنفاس استراقًا، وكانت أصابعي ترتعش، وكان وجهي يؤلمني بسبب البرد القارس.  

بدأت بلاس فيجاس، حيث منحت نفسي ما يكفي من الوقت لزيارة صديق قديم من أصدقاء الجامعة. في نوفمبر، كانت المدينة تعجّ بالجنون والحيوية، وكان السيرك نشطًا هناك على مدار الساعة، لدرجة أن المرء يشعر وكأن الزمن نفسه فقد سيطرته على الواقع. كان من الممتع التجول على ‘الساعة الغريبة’ ، وجلب بعض المقتنيات القديمة من بونانزا، “أكبر متجر هدايا في العالم” (ليس مزاحًا)، وعندما حان وقت الركوب في سيارتي الجيب المستأجرة والخروج من المدينة ، كنت على أهبة استعداد.

خرجت إلى الطريق بعد طلوع الشمس بقليل، وكان القمر حينها ظاهرًا في كبد السماء وكأنه نصف قرصٍ عائمٌ فوق بركة سماوية. كنت بمزاج سعيد. وأثناء اتجاهي إلى محطتي الأولى عبر حدود نيفادا-أريزونا في مدينة كينجمان أحسست بثقل في جسمي. حينها، كنت أستمع إلى الموسيقى من إذاعة محلية، ولم تكن أمامي سوى رمال الصحراء وخلفها في الأفق جبال بنية اللون، وقد انتابني حينها شعور ممزوج من البهجة والعجب. كنت حينها قد دخلت في الطريق المفتوح للتو.

كانت كينجمان تتلاشى خلفي وكأنها شريط من أفلام الخمسينيات. تلك هي المنطقة التي ينفصل فيها الشارع 66 قليلاً عن طريق I-40 السريع الممتد من مدينة أوكلاهوما إلى بارستو في كاليفورنيا. كان هذا الامتداد التاريخي بين كينجمان وآش فورك يضم سلسلةً من المطاعم البديعة ومحطات البترول ذات النمط القديم والموتيلات المطلية باللونين الوردي والأزرق الزاهيين. في سيليجمان ، توقفت لشراء سندويشات التاكو من مطعم سنو كاب درايف إن في ديلغاديو -كان مكانًا غريبًا، وقد عُرضَت خارجه سيارة شيفروليه قديمة. ولكن لا مجال لإطالة الوقوف. فقد كانت أمامي مسافة 280 كيلومترًا قبل أن أبلغ استراحتي الليلية الأولى، وكنت على مشارف وادي جراند كانيون العظيم. 

GettyImages-170881489
متنزّه‭ ‬آركس‭ ‬الوطني

من المستحيل عمليًا استيعاب ضخامة هذا الوادي العملاق أو وصفه بالكلمات. حتى أن كاميرتي عجزت عن تصوير عظمته على حقيقتها. ففي اليوم التالي، حين استخرجت الصور التي التقطتها أثناء سيري البطيء شرقًا على الحافة الجنوبية، بدت باهتة وغير كافية. “بلى، كان يبدو كذلك، ولكنه أكبر بكثير” ، هذا ما خطر ببالي حين تخيّلت نفسي وأنا أحدّث أصدقائي عند العودة إلى مدينتي عن ذلك المشهد العظيم. وفي النهاية، أدركت أن الشيء الوحيد الذي علي فعله هو تخصيص أكبر قدر من الذاكرة لتلك المشاهد المدهشة كلها: السحب المنخفضة التي تسيّرها الرياح؛ ونهر كولورادو الذي يتراءى من بعض الزوايا فقط؛ والصمت الرهيب لهذه الحفرة الحمراء الكبيرة.

لقد كانت فرصةً أيضًا لأبطئ من سيري وأتفكّر وأشعر كم أنا بعيد عن المنزل، من الجانب الإيجابي طبعًا. فخلال السنة والنصف الأخيرة، كانت المشفى ملاذي الوحيد. أما الآن، فقد قطعت معظم أواصري بها، وكانت أمامي فترة من التنفيس بعد كل ما مررت به. وبالرغم من المساحات مترامية الأطراف للمكان، شعرت بأن هناك ألفةً مريحةً بيني وبينه. فقد كانت ثلّة الأشخاص الذين قابلتهم، سواء أصحاب متاجر الهدايا أو العاملين في محطات البنزين أو نادلي المطاعم، منفتحين ومستعدين لتبادل أطراف الحديث. وكلما مررت بمزرعة للخضروات أو القطن، كنت أشعر برغبة في النزول والسؤال عن الاتجاهات، أو ربما شرب كأس من الشاي المثلج على الشرفة. ولكن الأمور تبدّلت بعد ذلك.

خرج حصانان، بل ثلاثة، بل أربعة أحصنة بيضاء، وكأنها أشباح تخرج من ظل أحمر ساطع

تُعد منطقة أمة النافاجو أكبر منطقة للأمريكيين الأصليين في الولايات المتحدة، وهي تشمل مساحة شاسعة من منطقة “الزوايا الأربع” (تشمل كولورادو ويوتا وأريزونا ونيو مكسيكو). ولم تكن لدي أدنى فكرة بأني عبرت إلى تلك المنطقة إلى أن بدأت ألاحظ اللافتات التي تحمل رمز أمة النافاجو على مباني البلدية والسيارات التي تحمل شارات اعتقدت في البداية أنها تتبع لإحدى هيئات حماية البيئة، بيد أني اكتشفت لاحقًا أنها لشرطة النافاجو. بعد ذلك، وحين وصلت إلى منطقة وادي النصف، أدركت أني الشخص الوحيد الذي لا ينطق بلغة النافاجو في طابور متجر البقالة. كانت لحظة من العجب والدهشة الرائعة.

GettyImages-1046237372
لافتة‭ ‬موتيل‭ ‬على‭ ‬الشارع ‭ ‬66

وقبل أن أصل، كنت أتخيل وادي النصب، بمثابته معلمًا أمريكيًا يسهل تمييزه كعلامة كوكا كولا أو الشريط الأحمر على حذاء ليفي، مجموعة أفلام بولغ في تسويقها. وكنت متأكدًا أني سأجد العربات التي تجرها الخيول ورعاة البقر بألبستهم المزخرفة والمتأهبين لالتقاط صور السيلفي معهم فضلاً عن أعداد من السيّاح. وعلى العكس من ذلك، وجدت نفسي في اليوم التالي وحيدًا في شاحنة باتسي الصغيرة حين كنا نلج إلى مدخل الوادي وقت الفجر حين كانت النجوم لا تزال تتراءى في السماء. أعلم أن شهر نوفمبر ليس موسمًا سياحيًا، ولكني لم أتخيل أن أكون وحيدًا. بلى، كان هناك مركز للزوار ومتجر للهدايا، ورسم بسيط مقابل التجوال بسيارتك على طول 27 كم من المناظر الطبيعية الخلابة، ولكن بخلاف ذلك، كان المكان خاليًا من المدارج وباعة التمائم وعربات بيع النقانق. وحين توقفنا لالتقاط صور بانورامية للتلال والمنحدرات التي كانت الشمس تلثمها بأشعتها الصفراء عند الصباح، قالت باتسي وهي تكتم ضحكتها “تلك إحدى ميزات المتنزهات الوطنية الأمريكية”،  يتبع وادي النصب لأمة النافاجو، وهو يُدار لصالح أولئك الذين لا يزالون يعيشون في قاع الوادي ويمارسون الزراعة هناك.

سلكنا طريقًا فرعيًا للتخلص من الطريق الدائري، وحينها توقفنا في نزلٍ صغيرٍ يتألف من بيتين مسبقي الصنع وحظيرة للدجاج وقائمٍ للعب كرة السلة وشاحنة مسربلة بالطين. وكان هناك أيضًا كوخ “هوجان” ترابي تقليدي. أشارت إليّ باتسي بالدخول إليه، حيث كانت تجلس امرأة من النافاجو وتغزل خيوطًا على نولٍ متهالك. وأثناء تحادث المرأتين، أخذت أنقل ناظري بين الحليّ المعروضة على أحد الرفوف. وحين وقع اختياري على قلادة نُقش عليها جاموس، طمأنتني باتسري قائلة “قطعة جميلة”. “الجاموس رمز للقناعة، فهو يذكّرنا بأن نأخذ فقط ما نريد”. في الحقيقة، أردت شراءها في لفتة تنمّ عن الكياسة. ولكنها ستصبح في نهاية المطاف تذكارًا عزيزًا.

كانت محطتي القادمة هي بلدة موآب التي تبعد مسافة يوم واحد شمالاً إلى يوتا، وهي مكان متواضع في حد ذاته – لا سيما بالنظر إلى موقعها بمثابة بوابة إلى كل من منتزهات كانيونلاندز وآركس الوطنية. بتّ هناك ليلتين، وكانتا كافيتين لمشاهدة المواقع الرئيسية المتاحة. وفي كانيونلاندز، ركبت سيارتي رباعية الدفع وشققت طريقي عبر الرمال المبقّعة بالثلج، والتي تنتهي بحواف شديدة الانحدار.

إن كنت قد شعرت بالوحدة سابقًا، فلا شيء يضاهي وحدتي الآن. فبينما كان في جراند كانيون وحتى وادي النصب شيء من الأنس والألفة، كانت كانيونلاندز منطقة موحشة تمامًا. بدأت الأفكار المخيفة تتداعى إلى ذاكرتي. من سيعثر عليّ إن تعطلت سيارتي؟ ماذا عن الذئاب؟ ماذا عن القطط البرية؟ أصابني حينها الفزع، فعدت أدراجي إلى البلدة.

من المستحيل عمليًا استيعاب ضخامة هذا الوادي العملاق أو وصفه بالكلمات

في آركس، كان وجود جموع من الناس مدعاةً للمفاجأة والسرور. رافقتهم حول الجسور التي نحتتها الرياح والأبراج الصخرية، كمتنزّه النحت العملاق، وتبعت خطواتهم في كل وقوف وحركة. كان لطيفًا أن أكون جزءًا من الجماعة مجددًا. ولكن الأمر لم يكتب له الاستمرار. فقد كانت هناك بعض المواقع التي عليّ المرور بها في رحلتي على هذا الطريق العظيم والمليء بالمفاجآت. كابيتول ريف وبريس كانيون ومتنزهات زيون الوطنية.

GettyImages-10070848
امرأة‭ ‬من‭ ‬النافاجو‭ ‬مع‭ ‬نولها‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬النصب‭ ‬

بكل صراحة وأسف، لا تكفي مفردات اللغة (ولا وحدات القياس) لوصف تلك المناطق على نحو يوفيها حقها. فكل منها يترك أثرًا لا يقل عن الآخر في أعماق الذاكرة، من بلدة الأشباح كابيتول ريف إلى فروتا وغابة برايس كانيون ذات التشكيلات الصخرية الشبيهة بالصواعد. وفي النهاية، أبى المكان إلا أن يخبأ في جعبته لي شيئًا، فقد كانت اللحظات التي قضيتها في زيون هي الأكثر إثارة، وتركت لدي انطباعًا عميقًا لا يمحى.

كنت لا أزال على طرف المتنزّه حين وقع الأمر. ففي الأمام، وعلى يسار الطريق المستقيم الذي لا نهاية له، حيث كانت الأرض تنتهي بسلسلة من التلال المتعرجة، رأيت شيئًا يتحرك. وحين أوقفت السيارة ونزلت لإلقاء نظرة عن قرب، هبّت على وجهي ريح باردة وجافة. اتكأت على السور، وإذ بقطيع من الجواميس يهزّ الأرض راكضًا صوبي فوق قمة أحد التلال. كان هناك شيء مؤثر في الطريقة التي كانت تتحرك بها الجواميس برؤوسها المنحنية تحت وطأة ثقلها، وبما تجمعه من ضخامة وضعف. هذا ما تبقى من تلك الكائنات التي اعتادت في سالف الزمان أن تغطي الأرض بملايينها المملينة. هذه المرة، لم أكلّف نفسي أن أستعمل كاميرتي. بل اكتفيت بالوقوف هناك ومشاهدة ذلك القطيع العظيم يمرّ أمامي ويثير غيمةً هائلةً من الغبار. وبعد اختفائه، عدت إلى سيارتي. لا فرق بيني وبين تلك الحيوانات، فقد اندفعت أيضًا لأواصل مسيرتي إلى الأمام وأكتفي بما أحتاجه فحسب.

أتفكر في السفر؟ للحجز في رحلة، يُرجى الاتصال بالرقم 6666 316 4 971+ أو زيارة الموقع visit dnatatravel.com 

المصدر‭: ‬صنداي‭ ‬تايمز‭ ‬ترافل‭ ‬ماغازين‭ / ‬تراخيص‭ ‬إخبارية‭ ‬