وعاء الانصهار

تخترق ناطحات السحاب المُضاءة بالنيون السحاب كما تُضيء أسماء الشركات الكبرى عنان السماء – إن هونج كونج الحديثة هي قوة محركة. ولكن كذلك هو شغفها للتقاليد: فالمصممون الشباب المحليون يطورون مهاراتهم والطهاة الجدد يستخدمون المكونات القديمة.  فهي وصفة ساحرة تجمع بين القديم والجديد.  نيك ريدمان يستمتع بالطعام 

في هونج كونج، مبتعدًا عن أحد الشوارع الجانبية شديدة الانحدار في سوهو حوالي منتصف الليل، من خلال باب غير مميز، وقعت بقوة في حب ذا أولد مان. يبدو ذا أولد مان، مثل غرفة الجلوس في منزل الجدة، وهو أحد أروع الأماكن في هونج كونج في الوقت الحالي – وفقًا للزوجين العصريين بجانبي. لقد شعرت بالتأكيد بخصوصية خاصة، من المشروبات، إلى التصميم، إلى فسيفساء عملاقة من القطع المرصعة لإرنست هيمنجواي على ارتفاع عالٍ. دارت الأحاديث حول الكراسي ذات الطابع الاستوائي بينما كنت أقوم باستعراض القائمة الحديثة، حيث كانت أطباقها الغريبة تحكي قصة كل منها. بينما أستقل التاكسي إلى فندقي في الصباح الباكر الرطب والحار، أمكنني أن أرى لماذا وقع هيمنجواي في حبها. والمميز بالمدينة، كان اختلاط كل من الإنسان والحضارة بشكلٍ عابر وقلق، مبدع ومكبوت ولكن يجب أن يعترف المرء أنها تركيبة ناجحة بلا شك (فبعد كل شيء، لقد أحب المدينة بعد أن جاء مرة واحدة). كانت لهونج كونج بالتأكيد مشكلاتها في العلاقة: فقد كانت مستعمرة بريطانية استقلت في عام 1997، وهي الآن تحت جناح الصين. فلم تعد غربية ولا حافظت على الروح الشرقية أيضًا. فهل نشأ شيء جديد بينهما؟ في الصور، تبدو المدينة أكثر جاذبية من أي وقت مضى، عصرية وواثقة؛ فهي نجمة مذهلة.

GettyImages-74901931
تضيء‭ ‬علامات‭ ‬النيون‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬الليل

بعد أن حلمت طويلًا برؤيتها على أرض الواقع، استقللت طائرة وحجزت في أكبر فندق في هونج كونج، ذا بنينسيولا. (اتضح أن هيمنجواي كان هنا أيضًا – عام 41، مع عروسه من الحرب، مارتا جيلهورن، في “شهر عسل”، الذي قضاه في الترحال، بينما كان خارج الخدمة). كان الفندق بعمر يبلغ 90 عامًا في العام الماضي، وهو رمز لمنطقة كولون، حيث يقف شاهقًا وخالدًا، في حين أن جميع أنحاء المدينة تعمل بشكل محموم لإظهار هويتها. ترتفع فنادق جديدة ساحرة في السماء مثل الألعاب النارية في هذه المدينة، وكان أحدثها هو كيري  (في حركة إصلاحية لإزالة الشرق من شبه الجزيرة)، متألق من الداخل بالعقيق التركي الأسود مع تمشيطات سائلة تحاكي الميناء أمامه؛ وموراي، وهو تحديث لمبنى المكاتب في الستينيات في وسط المدينة، لا يزال شامخًا مع نوافذه المتقنة، بالإضافة إلى صالة بالسطح، بوبينجيز، المطلة على المنحدرات الجليدية، التي سميت على اسم الببغاوات التي تطير حولها. كانت شبه الجزيرة نفسها فخمة بشكل مطمئن، وهي عبارة عن غطاء مريح في منطقة تستكشف المستقبل، وكأنها مصممة خصيصًا لاحتواء القادمين لأول مرة مثلي. تحت الثريات، برزت أوعية السراخس مثل فتيات ناضجات مرصوصات في صفٍ طويل. يستمتع الضيوف بالكعكات الممتلئة التي تقدم مع الشاي بعد الظهر في الردهة. وفي مطعم “جادي” الفرنسي الذي يعود لخمسينات القرن الماضي، قدمت تحياتي لجابل وجاردنر والنجوم الذين كانوا هنا قبلي. ثم بعد أن ذهبت الشمس حصلت على الصورة الأكبر، في صالة الطابق العلوي، فيليكس، توجد منطقة تعود لستينيات القرن العشرين من ستائر قماشية متعرجة وأثاث يشبه طابع باربي. عبر مياه ميناء فيكتوريا، كانت هونج كونج آيلاند، وهي ناطحة سحاب تخترق عنان السماء لتظهر بارزة في الأفق، مضاءة بيراعات في تكتلات حمراء تجذب الناظرين. باناسونيك، برودينشيال، بنك أوف أميركا، ميريل لينش. شعرت وكأنني راكب عابر في الأرض الضائعة للعلامات التجارية.

وفي بحثي عن انطباع أكثر محلية، في اليوم التالي، استقللت “ستار فيري” من كولون إلى الجزيرة من أجل القطار الجبلي المائل إلى القمة. شعرت بأنني سائح حقًا (أصبحت خبيرًا بملبورن)، لكن المدينة أبرزت نفسها بشكل أكثر وضوحًا بينما رأيت منظر الليلة الماضية مرة أخرى فوق المياه. تكمن كولون في الشمال، وهي شبه جزيرة صغيرة للغاية؛ حيث امتدت الأقاليم الجديدة إلى الصين وتلاشت في مكان ما. تحتها يقع المنظر المعروف من البطاقات البريدية: أبراج التجارة مفلطحة حسب المنظور، مثل الصدمات الوحشية للكوارتز. وقد كانت مثيرة ولكن بعيدة. عند الفحص عن كثب – تبدو هونج كونج كما لو أنها تتحرك دون الكثير من الحركة البشرية الفعلية: على السلالم المتحركة تحت حواجز ناطحات السحاب؛ على طول الملاحين عبر مراكز التسوق التي لا تنتهي؛ أو في سيارات الأجرة ذات اللونين الأحمر والأبيض، التي تتدفق عبر الجسور، مثل سيول من حلوى الأطفال الصغيرة التي تخرج من حزام النقل بالمصنع.

GettyImages-855383234
المباني‭ ‬المكتبية‭ ‬ذات‭ ‬الواجهة‭ ‬المضيئة

احتجت إلى العثور على مكاني – وهو المكان الذي خطت فيه وندرلست والكس. كانت أليكس، وهي المغتربة الألمانية وراء ذلك، قد أوصت بالتجول “فن الشارع” كطريقة لتذوق الروح المحلية لهونج كونج – والتعرف على المواهب الناشئة وراء ابتكار ما يمكن أن تغمس به فطائر الدامبلينج. 

حول تاي بينغ شان، وهو عبارة عن رحلة بالترام من وسط المدينة، كانت جدران الشوارع مليئة بمجموعة من الرسوم الكاريكاتيرية الفنية، وهي ثمرة مهرجان فن الرش الكبير في المدينة، إتش كيه والز. تجولنا في الأزقة، ومررنا بلوحة جدارية لبروس لي هنا (وقعت إكزيفا، كوريا الجنوبية)، وبوق قرمزي هناك (نيل وانغ، هونج كونج). هل كان تحديًا للسلطة؟

أم مللًا من العلامات التجارية المداهنة؟ مهما كانت، فقد كانت قوية. استنشقت عبق هونج كونج الفوّاح والمفعم بروح الشرق والغرب.

استنشقت عبق هونج كونج الفوّاح والمفعم بروح الشرق والغرب

على الطريق، قطع الطاهي الإنجليزي جاسون أثيرتون وعدًا محليًا، وزرع مطعمه، شارع أبردين سوشيال، في قطعة رائعة من فن العمارة القديم في هونج كونج تحت اسم PMQ. أعجبتُ بحداثيته، حيث يبدو شاحبًا في ضوء الشمس اللطيف، بينما تسلق البانيان الصينيون الجدار المحيط، وكان المتسكعون يجلسون على الشرفة.

وهو يعتبر أحد الناجين من هذه المدينة الحائرة، حيث تم بناؤه في عام 1951 كمركز لضباط الشرطة المتزوجين، وتفادى الهدم عندما أغلق في عام 2000. إنه مكان رائع، مع امتلاء مساحات المعيشة الآن بالمقاهي والنوافذ المنبثقة.

تميزت واحدة منها، حيث كانت مكدسة بالسيراميك وحقائب تحمل شعار “سوزي وونج نايت كلوب” لتعيد الحنين إلى الماضي. يعمل دوغلاس يونغ، وهو الشخص وراء العلامة التجارية، في ورشة عبر المدينة، في منطقة شام شوي بو – جارمنت في كولون. من السهل العثور على المبنى، في مركز جوكي كلوب للفنون الإبداعية – وهو مستعمرة للفنانين في مصنع محوّل مكون من تسعة طوابق (يمكنك الاشتراك للحصول على جولة في المكان). لقد كان شخص متحدث نشيط، تمثلت مهمته في جعل هونج كونج التي يحبها ملموسة، مع التقاليد الآسيوية التي “على وشك الانقراض في العالم الغربي المركزي”.

حيث قال إنه “لا تزال هناك دراسة قليلة نسبيًا حول ثقافة هونج كونج – الكتب والأفلام والموسيقى”. “أريد أن أصنع أشياءً تعالج هذا الاختلال، والذي سيود الشباب شراؤه”.

لقد عشقت لعبه “القط الغاضب” التي تظهر الإصبع المتوسط – وهو ينتقم من القطط الذهبية الكلاسيكية التي تلوح بأجواء الحظ التي تعبر عن الحظ الجيد في آسيا. وتجولت حول شام شوي بو والشوارع التي يتجول فيها للإلهام. وقد كانت مسكِرة، حبث برزت جميع المطبوعات الاستوائية المبهرجة على لفات النسيج الرخيص، مع واجهات المحلات المتهالكة التي وقعت حروفها المكتوبة، ومنحنيات الآرت ديكو السحيقة المطلة من شرفات المساكن.

Popinjays---Pan-Seared-Dover-Sole-(2)
بوبينجيز‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬موراي

كانت شام شوي بو نفحة من هونج كونج تحبها الأجيال، حيث يلتزم طعام الشارع بالطرق التي مضى عليها الزمن: في مصنع كونج وو بينكورد، كانت طبلة عتيقة صاخبة من جلد البقر تدق بشكل مثير للجزع، ولكن كانت حلوى التوفو علاجًا حريريًا، وقد صنعت من وصفة انتقلت عبر العمل. قلدت المحليين ووضعت وجهي بصمت في طبقي، وأفرغت حلاوتها الخفيفة كالسحاب. في المساء، بجنوب شام شوي بو، كنت مع حشود منطقة مونغ كوك؛ بين أحلام الحب التي تغذي الأحواض الأخرى من كرات السمك المغموسة في صلصة الفلفل التي تم شراؤها من الأكشاك القائمة على الأرصفة. ومع تقارب الأسعار بفارق بسيط، لم تكن هناك حاجة لمعرفة ما أطلبه. كنت أشير فقط ثم ألتهم الطعام (أو أتركه في صمت).

عرفت أين سأذهب للطعام  في الصباح التالي: إلى مدينة كينيدي، على بعد
25 دقيقة بالترام من وسط المدينة، على الطرف الغربي لجزيرة هونج كونج حيث تلتقي المساحات الطويلة القاسية مع البحر الأزرق المداري. هنا، بدا أن التقليد يتطابق مع التعايش مع التحسين، ويتضح ذلك من خلال الإيجارات التي تبلغ أرقامًا بعدة أصفار في نوافذ الوكالات العقارية، والمقهى المملوك لأحد اللبنانيين، كاتش، والذي يقدم الأفوكادو بكل الطرق الممكنة.

فوت الذهاب لهذا المطعم وذهبت إلى تشيونغ هيونغ، وهو تشا تشان تينغ، أو بيت شاي كلاسيكي في هونج كونج. وقال كيفن، حفيد المالكين: “لقد كان المتجر هنا منذ 50 عامًا على الأقل”، بينما كنت التقطت قطع الفورميكا”. 

Victoria-Harbour-View-from-The-Pool-(mid)
شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬هونج‭ ‬كونج

كانت كعكات جوز الهند تُترك لمدة ثوان، محشوة في أكياس ورقية لقاعدة صبورة من المعجبين، في الانتظار. “أصلية من هونج كونج!” قال الرجل في الطاولة بجانبي، مشيرًا إلى كعكة الماسترد التي أتناولها.

“إذا وجدته في الصين، فهو تقليد!”

في هونج كونج، يمكن أن يكون التقليد لعبة مسلية. فقد أحببت الطريقة التي بدا بها الشيف في موتّ 32 العصري، في وسط المدينة مستمتعًا بالعمل بالدبابيس. وقد جاءت فطائر البط البكيني الملفوفة محشوة باللفت الغربي الصحي، والذي كان مذهلاً بشكل غير متوقع. بدا خبز باو الذي قدمه كما لو كان تحية لإسبانيا (من المؤكد أن هيمنجواي قد جربه).

ترتفع فنادق جديدة ساحرة في السماء مثل الألعاب النارية في هذه المدينة

كانت الأمور متضاربة بشكلٍ غير عادي الليلة الماضية، في مدرسة الأسماك: هلسنكي يذهب إلى هونغ كونغ ليصطاد في ربع سان فرانسيسكو شديد الانحدار في ساي ينغ بون.  ولموازنة اللمسة الجمالية من الحجر والخشب، كانت الأطباق غنية، والنكهات غريبة بشكل جذاب. فقط عندما قام كريس، رئيس الطباخين، بإخراج هاتفه ليُظهر صورة لعشبة كان قد اختارها صباح ذلك اليوم في الأراضي الجديدة لتزيين الحلوى، أن أدركت أنه كان يبحث عن الطعام.

حيث قال: “أحب العمل مع هذا النوع من الأشياء التي كانت أمي تستخدمها من السوق”، مع لمسة من المريمية، عندما أبدأ في إعداد قطعة من السمك المتلألئ. بدا لي مثل سمك السلمون الشهي، لكنه كان، حسبما قال لي، سمك الكوبيا، ملفوفًا في الأعشاب البحرية. “إنها سمكة محلية – تم اصطيادها في بحر الصين الجنوبي”.

مع مدرسة الأسماك، كان الهدف هو تقديم “شريحة مما يمكن للمدينة توفيره”. لم يتضمن ذلك عينة مقلّمة غريبة في حوض السمك. قال لي: “إنها سكينجاو”. “وضعناها في القائمة، لكن لم يعرف أحد ما هي، لذا احتفظنا بها كحيوان أليف لنا.”

بعض الأشياء يبدو أنها لا تزال محلية للغاية، حتى بالنسبة للسكان المحليين. 

أتفكر في السفر؟ للحجز في رحلة، يُرجى الاتصال بالرقم 6666 316 4 971+
 أو زيارة الموقع visit dnatatravel.com 

المصدر‭: ‬صنداي‭ ‬تايمز‭ ‬ترافل‭ ‬ماغازين‭ / ‬تراخيص‭ ‬إخبارية‭ ‬