لقاء مع الشعاب المرجانية

لقد جمع جل آيات الجمال، لذا فلا عجب من أن يتصدر  الحاجز المرجاني العظيم قائمة أماني العديد من محبي السفر. ولكن السؤال هنا ألا زال المنظر بأسفل بنفس البهاء “والعظمة” التي كان عليها؟ لهذا السبب قرر أندرو إيمس الانطلاق ليحكم بنفسه

كان بوب يجلس على سطح عوامة مربوطة بمرساة في منطقة شعاب أجينكور. وقد بدا من بعيد بهيئته بينما يجلس وحيدًا منغمسًا بكل انتباهه في جريدته بكل خلجة من خلجاته رجلًا أستراليًا أصيلًا، مع ما يرتديه من قبعة وبنطال قصير ويقينه الذي لا يتزحزحه برأيه حول هذا العالم.

التقت عينانا، لذا ألقيت عليه ملاحظة بأن هذا ليس بأفضل مكان للقراءة، فسطح السفينة يعج بالأسر التي ترتدي زعانف الغوص والذين يلقون بأنفسهم في الماء ويبدؤون جميعًا بتحريك أيديهم وسيقانهم بقوة للسباحة. ابتسم الرجل لي ابتسامة عريضة وقال “أعتقد أنك على حق”.

وقد تبين أن بوب قد تقاعد حديثًا بعد عمر كامل قضاه تحت أشعة الشمس الحارقة لوسط أستراليا، وقد ظن أن الساحل الشمالي الاستوائي وارف الخضرة سيكون تغييرًا رائعًا، فيزيده الحاجز المرجاني العظيم جمالاً وبهاء. تأمل الرجل الماء بفخر المالك وقال؛ “هناك عالم خلاب يدور أسفل هذه المياه”. “هل مارست الغوص بالأسفل؟”

لقد فعلت. وذكرت أني رأيت أسرة كاملة من سمكة المهرج. وقد كان هذا شيئًا رائعًا. فلم تتوقف أسرة أسماك المهرج عن الحركة مصدرة بلبلة في المياه مفتخرة ببيتها فلم تتوقف عن الدخول والخروج بين سعف الشعاب الخاص بشقائقها. كما كان هناك عدد لا يحصى من المحّار العملاق وأسماك صدفيّة بحجم مجمد الثلاجة تتمتع بغلاف مخملي يبدو كأسرة الفنادق المزدوجة الوثيرة. “كما يوجد سمكة قُشر ضخمة معلقة أسفل العوامة، تدعى سوزي. “وهي عريضة كدرفة الباب”.

غير أني لم أرد الاعتراف بأني كنت أتطلع لما هو أروع من ذلك. وأن أعداد السمك لم تكن بالكثافة المأمولة وأن الشعاب نفسها لخيبة أملي كان لونها بيج. وقد شككت بأن هذا ما لم يكن بوب يود سماعه.

أعشق كل ما يتعلق بعالم البحار، لذا فقد كان الحاجز المرجاني، الذي يعد أحد عجائب الطبيعة السبع، أحد الوجهات بقائمة أمنياتي. فمع كل ذلك، يعد الحاجز المرجاني أكبر كائن حي على وجه الأرض ويظهر من الفضاء، ويتألف من 2900 من الشعاب المرجانية و900 جزيرة و300 جزيرة مرجانية منخفضة و1625 نوعًا من الأسماك التي يتميز الكثير منها بأشكال عجيبة وألوان مذهلة. وقد كنت محظوظًا بأن مارست بعض الغوص في الأعماق والكثير من الغوص السطحي في بعض الأماكن الخلابة، إلا أن المساحة الرهيبة التي يغطيها الحاجز المرجاني العظيم جعلته دائمًا في مكانة لا يضاهيها أحد. غير أني كلما سمعت عما يحتويه من صور الحياة الساحرة، التي لا تعد ولا تحصى، والتي تهددها سنوات من موجات الحر والعواصف الاستوائية، أصبح شيئًا لا بد لي من رؤيته قبل أن توافني المنية.

أسماك الحامر، بلونها الأصفر الفاتح تبدو كالهاموش الساطع الذي يخرج من نبات الخلنج

GettyImages-895646306
أسماك‭ ‬بلاكتورهينكس‭ ‬الشرقية‭ ‬تسبح‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬المحيط‭ ‬التي‭ ‬تتخللها‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس

لذا، فقد أتيت بمزيج من التطلع والخوف. ولكي أتمكن من التعامل مع الحجم الشاسع لهذا الحاجز المرجاني، كان لا بد أن أضع لنفسي هدفًا شخصيًا: فقد أردت أن أرى أعظم ثمانية كائنات بحرية، والتي تعادل في الحاجز المرجاني أروع خمسة حيوانات في رحلات السفاري الإفريقية. وقد اختارت هيئة Marine Park Authority مؤخرًا هذه الكائنات الثمانية الشهيرة والمذهلة في الوقت نفسه كمثال على التنوع الهائل الذي يمكن مشاهدته في الشعاب المرجانية. وهي مزيج من الكائنات المنتشرة بأنحاء عديدة من العالم والكائنات الموجودة في هذه المنطقة فقط، مع وجود السلاحف البحرية وأسماك القرش والحيتان والشفنينيات في القائمة، بالإضافة إلى سمك المهرج وسمك نابليون والمحّار العملاق وهامور البطاطس. ولم يكن لدي سوى أيام قليلة، إلا أنني كنت مصرًا على مشاهدتهم جميعًا، فقد تكون هذه فرصتي الوحيدة.

وقد كان قضاء يوم في هذه العوامة مزدوجة الهيكل بأجنيكور أول تجربة لي لمشاهدة أعماق البحار، وقد  كانت تجربة غير مكلفة في الحقيقة. وقد مخرت القطمران العملاقة، التابعة لشركة Quicksilver والتي تسع 400 مقعد، عباب البحار قاطعة مسافة 65 كم من البر الذي تغطيه الغابات المطيرة، وإلى أن حل الوقت الذي عدنا فيه إلى بورت دوغلاس في وقت الأصيل، انطلقت في رحلة غوص سطحي استكشافية مع أحد علماء الأحياء البحرية ورحلة في إحدى سفن الغطس، إلا أنى لم أتمكن من رؤية سوى سمك المهرج والمحار العملاق من قائمة الكائنات التي أود رؤيتها.  لذا، فقد احتجت حرفيًا إلى أن أغوص إلى أعماق أشد.

وفي اليوم التالي، تسلحت برخصة الغوص بجهاز التنفس من اتحاد مدربي الغوص المحترفين (PADI)، وانطلقت ثانية. ولست بالغواص المحترف، إلا أنه لحسن الحظ لم يكن هناك ما يثير الخوف في مياه منطقة الشعاب الدافئة الهادئة هدوء أحواض السمك، ولا سيما أني نزلت للغوص برفقة غواص بحفارة نفط اسكتلندي الجنسية معتاد على المياه “المُلطخة بالشحم” (بحسب قوله) للبحر الشمالي. اتسعت حدقتا جيم أثناء هبوطنا وسط أسماك البوق المبقعة الطويلة إلى حد يبعث على الذهول، التي تناوبت فيما بينها على أداء حركات بهلوانية بالوقوف على رأسها أعلى الشعاب المرجانية التي تشبه جلمود الصخور. ورأينا أسفلها سرب من أسماك الحامر، بلونها الأصفر الفاتح وأحجامها التي لا تزيد عن حجم الإصبع، حيث كانت تخرج معًا من الشعاب المرجانية قرنبيطية الشكل، فبدت الأسماك كالهاموش الساطع الذي يخرج من الخنج الاسكتلندي.

وبالرغم من زيادة إمكانية مشاهدتي للكائنات، غير أنه بعد رحلتي غطس عميق ورحلة غطس سطحي لم أتمكن سوى من رؤية نوع جديدة من الأنواع التي أود رؤيتها، ألا وهي سمكة نابليون، وهي سمكة بحجم اللابرادور لها وجه مغطى بالأخضر والأرجواني. وقد رأيت زوجًا من هذه الأسماك محدبة الظهر يهيمان بلا وجهة محددة حول صفوف الشعاب المرجانية، متظاهرين بالذكاء الشديد؛ إلا أنهما يعتبران كفورست غامب بالحاجز المرجاني.

وبعد أن تمكنت من رؤية ثلاثة كائنات وتبقى أمامي خمسة، كان علي أن أبذل مجهودًا أكبر. شعرت بالحزن لمغادرتي بورت دوغلاس التي تميزت بأجواء بوهيمية تبعث على الاسترخاء، واصطفت شوارعها بأزهار البلوميريا زكية الرائحة والجكراندة التي تنبت أزهار اللاوندة. وتشبه المدينة منتجعًا بُني عمدًا كوجهة مثالية لقضاء العطلات، فقد حبيت بغابات مطيرة وشعاب مرجانية، وتنقسم أهم منطقة بها بين بائعي لوازم الرحلات الذين ينظمون رحلات أثناء النهار والمطاعم المزودة بفناءات والحانات التي تزود السيّاح بالطعام بالليل الرطب.

GettyImages-924379280
غروب‭ ‬الشمس‭ ‬على‭ ‬رصيف‭ ‬مرفأ‭ ‬بورت‭ ‬دوغلاس‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬منطقة‭ ‬تراثية

انطلقت إلى كيرنز التي تبعد 68 كم إلى الجنوب، والتي وجدت أكبر بكثير. فتتمتع بتاريخ يعود إلى أكثر من 150 عامًا، بدأ بحمى الذهب التي جلبت العشرات من الجنسيات المختلفة إلى المدينة التي كانت حينئذ مجرد حي معزول للفقراء. واليوم، ينشدها الكثير من الرحالة الأوروبيين الذي يحملون حقائب ظهرهم متجولين على مماشيها الممتدة على جانب ساحل البحر، والسياح المحليين الذين يخططون رحلة ليوم واحد في السفن السياحية حيث يستمتعون بتناول أطباق ساتاي لحم التمساح بالمطاعم المتناثرة على طول الممشى الخشبي.

ومن هناك انطلقت إلى عرض البحر ثانية على متن مروحة طيران حلقت بي أعلى المياه التي بدت كصفحة من الفيروز والذهب السائل المرصع بنقوش زخرفية وسلاسل من البني المحمر وألواح التزلج الفضية. وقد كانت وجهتي جزيرة تتمتع بتاريخ أعرق من تاريخ مدينة كيرنز، فقد هبط عليها القبطان جيمس كوك عام 1770 أثناء رحلة له كادت أن تنتهي بكارثة عندما اصطدم قاربه باليابسة.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت جزيرة ليزرد مقصدًا للزوار، حيث يشغل أحد جوانبها محطة أبحاث بحرية، بينما يوجد بأكثر جوانبها خصوصية ملاذًا فاخرًا لمن يودون قضاء شهر العسل وللرؤساء التنفيذين. وقد صممت فلل وأجنحة المنتجع البالغ عددها 40 فيلا وجناحًا بمروج يحدها أشجار العنب البحري ونخيل البندان ويقع المنتجع خلف اثنين من شواطئ الجزيرة ذات الرمال البيضاء، البالغ عددها 24 شاطئًا، التي تعج بالمطاعم الفاخرة المفتوحة بحيث تسمح لنسيم الليل العليل بالمرور عبر  أشجار الكازارينا. والأهم من ذلك، بالنسبة لي، وجود قوارب للغوص في الأعماق وأخرى للغوص السطحي، بالإضافة إلى إمكانية الوصول إلى مواقع خاصة ومقدار هائل من المعرفة المحلية، وقد كنت على استعداد للاستفادة من هذه الكنوز التي تلائم أهواء كل نزيل. ولا سيما نزيل لديه قائمة من الأسماك التي يود رؤيتها.

تحوي جزيرة ليزرد في أكثر جوانبها خصوصية ملاذًا فاخرًا لمن يودون قضاء شهر العسل وللرؤساء التنفيذين

أولاً: السلاحف. الأمر سهل ولا يحتاج إلى أي قوارب كما ذكروا لي، وبظهيرة ذلك اليوم اصطحبني عالم الأحياء “بين” إلى محطة الأبحاث (التي كانت مسؤولة عن أجزاء من برنامج  Blue Planet) وأشار إلى المياه الضحلة. وقد شعرت كأني مصور سينمائي بينما انزلقت في الماء كسمكة سابحًا أمام سلحفاة بحرية خضراء اللون تتناول بعض العشب البحري. وبينما تسبح السلحفاة متهادية بجانبي، لاحظت زوجًا من أسماك اللشكية، أو اللشك الماص للقرش، على الجانبين السفليين للسلحفاة وقد بدت من الخلف كبنادق الطائرات الحربية.

وفي اليوم التالي، صعدت على متن أحد قوارب الغوص العميق للمنتجع منطلقًا إلى منطقة الشعاب الخارجية، وبداخلي أمل قوي بأن أرى الكائنات الأربع المتبقية بقائمتي وهي: الحيتان والشفنينيات والقروش وهامور البطاطس. وبعدها بساعة، بلغنا منطقة تدعى كود هول، وقد لاح بالأفق أمامي حوت المنك يخترق سطح الماء كسيف يستل من غمده. لم يكن المشهد يخلب الألباب، فحوت المنك ليس كبير الحجم إلا أنه كان في النهاية حوتًا يتخذ السلوك النمطي للحيتان.

أما هامور البطاطس، فلفرحتى العارمة وجدت منهم أعدادًا كبيرة. ويسمح لفريق الغوص العميق بجزيرة ليزرد بإطعام بعض الأسماك وقد غطسنا بالمياه الشفافة لنجد في انتظارنا سمكة ضخمة البنية بفم يشبه شفاه وينستون تشرشل وبقع سوداء كبيرة على جانبيها مستعدة لتناول طعامها. وقد كان ذلك السمكة بريان، وبالرغم من تحذيرنا بعدم التربيت عليه، إلا أنه استمر في ملامستنا ككلب أليف.

كما حذرونا من أسماك القرش، ولم نلبث طويلاً حتى لفت الغواص المحترف أنظارنا إلى جسم رشيق يدور بمكان لا تكاد تبصره أنظارنا. وقد كان ذلك قرش الشعاب الرمادي، الذي كان يشعر بالخوف منّا أكثر مما كنا نشعر بالخوف منه، بحسب ما ذكره الغواص المحترف بعد ذلك. لم يمض وقت طويل حتى ظهر قرش الحيد ذو الطرف الأبيض يجلس ساكنًا على القاع الرملي للمحيط. وقد كان كبير الحجم، غير أنه لا يمثل خطرًا سوى أثناء الليل.

GettyImages-150968574
شعاب‭ ‬مرجانية‭ ‬ملونة‭ ‬وغير‭ ‬صلبة‭ ‬حول‭ ‬جزيرة‭ ‬ليزرد

 

وبعد 24 ساعة فقط من الوصول إلى جزيرة ليزرد تمكنت من رؤية أربع من أعظم ثمانية كائنات بحرية كنت أود رؤيتها، بالرغم من أن الأمر تطلب جميع الموارد ( والنفقات) التي يوفرها منتجع قصي من فئة النجوم الخمس. وبينما كانت رحلتي البحثية على مشارف الانتهاء، كنت لا أزال أشعر بخيبة الأمل، فبالرغم من جميع أنواع الأسماك والشعاب التي شاهدتها، فلا بد أن تقدم أكبر سلسلة من الشعاب المرجانية تنوعًا أكبر. 

ولحسن الحظ، فقد حظيت بمكافأة إضافية في آخر مساء لي في الجزيرة في رحلة غوص سطحي خرجت فيها وحيدًا في خليج أنكور الذي يبعد مسافة مشي يسيرة عن شرفتي. يأتي وقت الزوال وتختفي الشمس سريعًا عن هذه الجزيرة وكأن لديها ما تفعله في النصف الثاني من الكرة الأرضية، ولم أتح لنفسي الكثير من الوقت. ففجأة رأيت أمامي مزيجًا مذهلاً من الألوان والأسماك بين شعاب غاب البحر ذات الدرجات النارية التي تشبه الشمعدانات وحقول من شعاب اكروبورا ستاجهورن المرجانية ذات الأطراف الزرقاء النابتة حديثًا. وقد رأيت سمكة ناسو بخيط برتقالي على عمودها الفقري وسربًا من أسماك فوسيلير صفراء الذيل وسمكة تريجر ضخمة يغطى كامل وجهها باللون الأصفر. وأخيرًا!! رأيت لمحة عابرة لسمكة شفنينيات صغيرة بحجم طبق طعام، ولكن في اللحظة التي رأيت فيها آخر كائن بحري في قائمتي، لمح كائنًا بحريًا آخر يحوم.  وقد كانت مشاركة الماء مع سمكة قرش وأنت مع غواص محترف متمرس شيئًا، ومشاركتها وأنت وحدك والسماء قد بدأت تظلم شيئًا مختلفًا تمامًا. لذا لم أتباطأ.

في صباح آخر يوم لي استيقظت مبكرًا لأشاهد شروق الشمس من أعلى كوكس لوك، وهي أعلى نقطة في الجزيرة التي تسلق إليها القبطان كوك بحثًا عن مفر من الشعاب المرجانية. وفي وقتنا الحالي، فإن هذه النقطة هي المكان الوحيد الذي يمكن لهاتفك المحمول فيها التقاط الإشارة، لذا التقطت صورة سيلفي وأرسلت عبر WhatsApp إلى أسرتي ثم شاهدت بينما يلقى بزوغ الشمس بظلالي على مياه البحر الفيروزية.

وفي الحالي رن هاتفي من الجانب الآخر من العالم. وقد ودت ابنتي أن تعلم “كيف كان الحاجز المرجاني العظيم؟” وقد كان هذا سؤالاً عويصًا، وبحاجة إلى إجابة فصيحة وجامعة؛ ولا سيما إن أردت العودة في وقت تقديم الإفطار، لذا رددت عليها بما ظننته وصفًا شاملاً: “مهدد بالانقراض ولكن لا يزال خلابًا”.

أتفكر في السفر؟ للحجز في رحلة، يُرجى الاتصال بالرقم 6666 316 4 971+ أو زيارة الموقع dnatatravel.com

المصدر‭: ‬أندرو‭ ‬إيمس‭ / ‬مجلة‭ ‬The‭ ‬Sunday‭ ‬Times‭ ‬Travel‭ ‬Magazine‭ / ‬تراخيص‭ ‬إخبارية‭ ‬