الحياة الحلوة

ستيفين دويغ يمتّع ناظره بالمشاهد الخلابة لبورتوفينو الساحرة 

مهما حاولت الرسو في ميناء بورتوفينو دون أن تلفت إليك الأنظار، فلن تنجح في ذلك ولا سيما إن وصلت في قارب Itama Forty السياحي المفتوح. فيلوح القارب البالغ طوله 13 مترًا للناظرين ببياضه الناصع المترقرق أعلى صفحة مياه البحر الليغوري داكن الزرقة، ويقطع مياهه بانسيابية فيشبه برشاقته قرشًا أبيضًا ضخمًا ليصل إلى الميناء المزدحم بقوارب العبارات طوال فترة موسم ازدحامه.

ينتمي القارب، المسمى Be Mine “كن لي” من طراز Itama Forty، إلى الأسطول المهيب الذي تديره شركة AMM Charter، وهي شركة محلية يقع مقرها بالقرب من بورتوفينو تعمل على تنظيم رحلات بالقوارب على طول الساحل وصولاً إلى سنك تير. بالرغم من أن سوء الأحوال الجوية يعني دائمًا بأن الظروف ستكون معاكسة تمامًا في يوم إبحارنا، غير أنه أثبت قدرة والتزام الشركة بألا نشعر سوى بالاسترخاء والعناية التي نولى بها على متن السفينة الذي تسطع عليها الشمس.

لم يكن الدخول إلى ميناء بورتوفينو بالمهمة اليسيرة: فقد كان على قبطاننا أن يسلك طريقه بين هذا الازدحام الشديد للقوارب وأن يوجهنا للنزول من متن القارب خلال “20 ثانية”. وتم الأمر بدقة بالغة وسلاسة لا مثيل لها، حيث أنزلنا وسط ميناء بورتوفينو الخلاب لتستقبلنا الأبنية ذات الألوان المبهجة.

وتجمع بورتوفينو، التي ارتبطت منذ خمسينيات القرن العشرين بنوع من البهاء الإيطالي، بين قواربها الفاخرة وأناسها الرائعين. فمنذ إنشاء شينشيتا في روما،كان المشاهير المعشوقون آنذاك ينطلقون في أوقات استرخائهم بين المسارات المتعرجة التي تحدها الجبال عبر ليغوريا ليصلوا إلى هذه القرية المطلة على الساحل.

HSP-ACC-EXT-05
شرفة‭ ‬غرفة‭ ‬المعيشة‭ ‬لجناح‭ ‬ديلوكس‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬سبلينديدو‭ ‬

وقد جاءت إليزابيث تايلور لاحتساء الشراب ومناقشة الألماسات مع ريتشارد برتون، كما كانت آفا غاردنر تحجز جناحًا مطلاً على الميناء، كما استوحت صوفيا لورين جميع منازلها من ألوان الرمال ودرجات ألوان الزعفران التي تنتشر على طول الساحل وأقبلت غريتا غاربو إلى القربة رغبة في الانعزال والتقطت صورة لدوق ودوقة وندسور في منفاهما على شوارعها المرصوفة بالحجارة. وبالرغم من أنه لم يتبقِ من هذه الشوارع سوى القليل؛ وأن هذه الوجهة السياحية صغيرة المساحة ليس لها سوى بعض المشاهد التي تتجلى لك من الميناء، إلا أنها تخطف الأنفاس وتسلب الألباب.

جاءت إليزابيث تايلور لاحتساء الشراب ومناقشة الألماسات مع ريتشارد برتون، كما كانت آفا غاردنر تحجز جناحًا مطلاً على الميناء

قد تسوّل لك نفسك أن تسحب مقعدًا لتسترخي في حانة La Gritta بينما تشاهد الحياة تتجلى أمامك، غير أن هناك الكثير من التجارب التي يمكنك عيشها في هذه المنطقة لتكتسب فهمًا أعمق لثقافة هذه المنطقة المترامية من إيطاليا. قد يقل ساحل ليغوريا شهرة عن ساحل أمالفي، غير أن له سحره الذي يفتنك بشكل مميز؛ فمناظره برية لم تبالغ الأيدي البشرية في تهذيبها؛ كما يقل ساكنو خلجانه وكذلك زوّراه.

وقد شعرنا بذلك حين دخل قارب Itama Forty خليج سان فروتوسو الصغير في ظروف ليست بالمثالية أبدًا؛ فقد كان الجو عاصفًا طوال اليوم، وقد كان أملنا لينقطع تمامًا حول إمكانية الوصول إلى الخليج، الذي لا يمكن الوصول إليه سوى بالقارب أو عبر مسار مكسو بالحجارة، إن كان مصيرنا مربوطًا بأيدٍ أقل مهارة، غير أن القارب رسا بمهارة وسلاسة بالرغم من عصف الأمواج على الساحل. 

وإذا وصفنا بورتوفينو بأنها الفتى اللعوب شديد الوسامة، يمكننا وصف سان فروتوسو بأنها أخوه الصغير المتواضع غير أن أجواءها مفعمة بالعاطفة. خلف الرأس البحري المكسو بأشجار الصنوبر في بورتوفينو (بعد مجموعة القصور المملوكة لسادة دولتشي أند غابانا)، يطل الدير الذي يعود إلى القرن العاشر على الخليج وشاطئه الحصوي (بينا تستقبلك في بورتوفينو شانيل) وقد نُحتت المطاعم بين الصخور.

إذا كنت ذا طبيعة مغامرة، يمكنك الغوص تحت السطح لتشاهد التمثال المهيب: تمثال المسيح في الأعماق. فقد استقر هذا التمثال البالغ طوله 8 أقدام للمسيح وهو يفتح ذراعيه على قاع البحر هنا منذ عام 1945، فيخلد المنطقة التي فقد بها الغواص الإيطالي الرائد داريو غونزاتي حياته. وفي الأيام التي تتميز بأجواء صافية، يتجلى التمثال للعيان تحت المياه الزرقاء المخضرة، غير أن المياه كانت شديدة التقلب فاستحال علينا الاستكشاف. ومن القارب، لم نرَ سوى كتلة تتلألأ تحت الأمواج، قد تبدو مخيفة قليلاً.

HSP-POOL-13
حوض‭ ‬السباحة‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬سبلينديدو‭ ‬

عدنا إلى القارب بعد تناول الغداء في مطعم بيستو غينوفيز المحلي، وشق القارب عباب البحر ليقطع خط ساحل ليغوريا الذي ترتفع من خلفه جبال الألب شامخة تناطح السماء. وقدمت دليلتنا آنّا، مالكة شركة AMM Charter، شرحًا يخلب الأذهان؛ إلى جانب المشروبات والمأكولات صغيرة الحجم، حول القصور المهيبة التي نراها.

وقد مررنا بالحدائق المترامية الغنّاءة وفخامة العمارة القوطية الحديثة للقرن الحادي عشر لفيلا دورازو، التي بناها اختصاصي علم النبات الشهير كليليا دورازو جريمالدي، ودير سيرفارا على خليج تيجوليو، المشتق اسمه من “سيلفاريا” اللاتينية التي تعني الغابات، إشارة إلى مجموعة الغابات التي تنتشر بالساحل.

وقد كانت كعكة الزفاف الإيطالية للقلعة، بونومي بولتشيني، المبنية أعلى الرأس البحري، من أكثر مظاهر الإسراف في التاريخ؛ وتعد القلعة  أكثر بيوت العطلات فخامة في برلسكوني. 

بين هذه المعالم الثقافية البارزة، يلقي Itama Forty مرساته في المياه الهادئة للسماح لراكبيه بالسباحة؛ وبينما تشق أجسامنا سطح المياه صاعدين نجد في انتظارنا المناشف والمرطبات.

وبعد يوم من التنقل في الخليج، حان وقت الخروج إلى قلب البحار. انطلقنا في المسار المتعرج المؤدي إلى فخامة فندق سبلينديدو الظليل. وتكتمل فخامة بورتوفينو بهذه القطعة الفنية الفاخرة: وينبثق بهاء هذه الوجهة من قائمة نجوم مترو غولدوين ماير الذين خطوا بأقدامهم في ممرات سبلينديدو الرخامية.

وقد كان الفندق في السابق ديرًا يقع وسط التلال المطلة على الخليج، ثم اشتراه بارون باراتا في أوائل القرن التاسع عشر وحوّله فيما بعد إلى فندق. وقد تجلت أمام أعيننا روعة المكان.

تجمع بورتوفينو بين قواربها الفاخرة وأناسها الرائعين

تُغلف الإقامة في الفندق بأجواء أفلام فليني الشهيرة بخمسينيات القرن العشرين؛ فالديكور تقليدي غير أنه ليس بتاريخي، والخدمة رائعة تقدم على نحو يتمسك بالقيم والتقاليد؛ فيملأ السقاة الذين يرتدون السترات البيضاء أكواب الماء على جانب حوض السباحة أو يسألونك بكل تهذيب إن كان يمكنهم تلميع نظاراتك الواقية من الشمس.

Butter poached lobster

تطل غرف الفندق على الميناء، وتمتلئ الشرفات الخاصة بنبات اللقلقي العَطِر الظليل، .بينما تتحول السماء تدريجيًا إلى اللون المرجاني تبدأ أصوات فتح زجاجات الشراب في التصاعد وتنتشر أصوات الموسيقى من مطعم La Terrazza. 

وهناك يقدم الطعام الكلاسيكي المطهو بمثالية، الذي يشبه إلى حد كبير ديكور المطعم الداخلي الكلاسيكي. ويتميز طبق الاستاكوزا المحلية بقوام زبدي خفيف للغاية، وتُقدم أطباق التاليريني مغطاة بقبة من الكمأة الفرنسية السوداء المقشرة، فيبدو مظهرها كأروع جرس بالإضافة إلى طعمها الشهي.

وسرعان ما يتوافد الزوّار – الذين بذلوا جميعًا جهدًا للتأنق للعشاء – نحو الحانة التي يُعزف فيها البيانو، حيث يبلغ عدد النوادل ضعف عدد الفنانين، الذين يأخذون الميكروفون ليغنوا Tu Vuo Fa L’Americano.

يتهافت الضيوف كالفراشات على الأرضيات الرخامية للرقص وتحيط بهم صور بالأبيض والأسود للنجوم الذين رقصوا هنا في الغرفة نفسها. ويبدو المكان كمشهد من عهد سابق.

وإذا بدأت تمل من أجواء التراخي والدلال، يرتب سبلينديدو تجارب محلية. ويشبه الموقع الثاني للفندق فنادق البوتيك؛ وهو نسخة أصغر تسمى سبلينديدو مير، فيستكين في قلب الميناء الرئيسي، ويبعد مسافة 10 دقائق (على سجادة حمراء بالطبع) من المبنى الرئيسي الذي يقع أعلى التل.

وقد سمى جناحه آفا غاردنر على اسم الممثلة، فقد كانت تفضل ضوضاء المدينة المزدحمة هنا. كما أن مطعمه Chuflay ذو الأجواء المريحة يقدم تجربة بيستو فريدة ويأخذ زوّاره في رحلة مبهرة يتذوق فيها أروع المنتجات المحلية (ولا يتوقف ذلك على الريحان المحلي فحسب وإنما منتجات ليغوريا المتنوعة الفلفية الراقية الممتزجة بروائح نسيم البحر المالح).

ويمكن لمسؤولي خدمات النزلاء ترتيب جولة لمزرعة محلية ملائمة أو زيارة لبعض أقبية الخمور المحلية. 

وقد يكون ساحل أمالفي من أشهر الوجهات الصيفية وأكثرها انتشارًا على الإنستجرام غير أن لساحل ليغوريا سحره وبهاءه الخاص. 

أتفكر في السفر؟ للحجز في رحلة، يُرجى الاتصال بالرقم 6666 316 4 971+ أو زيارة الموقع visit dnatatravel.com

المصدر: ستيفين دويغ / مجلة The Telegraph / منصة The Interview People