شعور مريح

جولة لذوّاقة الطعام تقدم لزائري الشرق الأوسط للمرة الأولى فرصة للتقاليد التي تُوورِثَت لقرون طويلة وحسن الضيافة التي تشتهر بها الأردن

بدأت الشمس في الغروب فاصطبغت الجبال الحجرية بألوانها الذهبية والحمراء والأرجوانية عندما وصلنا إلى مخيمنا البسيط بوادي رم الذي يتمتع بطبيعة برية مقفرة تسحر الأذهان. وقد قضينا ساعات نصعد هضابًا وننزل أودية بسيارتنا الجيب بين دروب الصحراء الوعرة، ونتوقف بين الحين والآخر لنتسلق الكثبان الرملية التي نحتتها الرياح كيد فنان والأقواس الصخرية الطبيعية ونتأمل بتعجب وافتتان نقوش الأنباط القديمة. والآن بدأ يومنا يكتسب مسحة جديدة من الجمال، وبدأ شعورنا بالإشارة يتزايد فها قد بدأ الليل يجن علينا في الصحراء وسنمتع أنظارنا بمراقبة سماء مرصعة بالنجوم ترسم لوحة تبهر الأنفاس. ولم يخيب المنظر توقعاتنا على الإطلاق، كما اقترب موعد تقديم العشاء الذي يسيل اللعاب من طيب مذاقه، ما أن تم طهيه في قدور تحت الأرض.

وقد كنا داخل المنطقة الخاضعة لسلطة البدو وتحت جناحهم، وتكاد طريقتهم في طهي المشاوي البدوية، ويسمونها الزَّرْبُ، لم تتغير لقرون عديدة، فهو إناء معدني مفرّغ يُملأ بالجمر المشتعل ويوضع في حفرة بين الرمال، ثم يُنزل داخله صينية ذات مستويين توضع عليها كميات كبيرة من لحم الماعز والخضراوات. ويُغطى الإناء لينضج ببطء لعدة ساعات، ثم يُخرج فتتصاعد أبخرة شهية من اللحم المطهو بمثالية.

تعتبر هذه الوجبة من أبرز الأطباق الأردنية ومغامرة رائعة لمحبي الطعام، وقد انقضت مجموعتنا المكونة من 11 (مسافرًا وحيدًا) على الوليمة حين وصلت. وبعد ذلك جلسنا بالقرب من نيران المخيم تحت سماء شاسعة يظهر فيها درب التبانة جليًا بينما نحتسي رشفات من “الخمر” البدوي، المكون من شاي ممزوج بالقصعين والحبهان والنعناع البري؛ بينما يبين مضيفونا الأجرام السماوية ومجموعات النجوم.

تجلت المشاهد المذهلة لمبنى الخزنة المحفور بالورود بواجهته الحجرية

في بلد يشتهر بآثاره ومناظره الطبيعية الخلاّبة، فقد منحتنا الجولة التي تركز على الطعام منظورًا جديدًا تمامًا لفهم هذه الأراضي وطرق معيشتها. وفي الاجتماع الترحيبي بنا في عمّان أوضح دليلنا المخضرم، محمد، أن الأردن بوتقة من الثقافات المختلفة كما أن أطباقها ليست باستثناء: فقد تأثرت العادات الغذائية القومية بالغزاة والبلدان الشقيقة، بدءًا من الدولة العثمانية وصولاً إلى الإنجليز، فضلاً عن بلدان أرض الشام الشقيقة والبدو كذلك.

Portrait of guide in keffiyeh.
‭ ‬دليل‭ ‬يرتدي‭ ‬الكوفية‭ ‬التقليدية

وقد رأيت لمحة مما أنا مقدم عليه بينما أتجول على غير هدى بين ممرات سوق الخضار المتشعبة في عمّان. فقد اكتظت الأكشاك بالخوخ المسطح والتوت الأبيض والتمر المقسم إلى مجموعات بجميع الأحجام والأشكال والطازج والمجفف معروضة لعشاقه، وتسللت روائح القهوة المحوّجة بالحبهان فسحبتني كالمسحور إلى متجر ازحيمان، الذي يشبه مغارة تمتلأ بكنوز الأعشاب والبهارات.

في أول ليلة قضتها المجموعة معًا، سرنا من فندقنا بوسط المدينة إلى مطعم هاشم الشعبي بعمّان. يقدم هذا المطعم غير المبهرج، الذي افتتح عام 1952، أطباقًا شعبية ويتمتع بشعبية بين أفراد العائلة المالكة الأردنية وكذلك المشاهير والعائلات المحلية، وسرعان ما امتلأت طاولتنا الخارجية التي يظلها بنايتان بأطباق المزات الشهية والبسيطة. وقد قطعنا لقمًا من الخبز الشامي لنغمسه في الحمص والفول المدمس المتبل بزيت الزيتون، ثم انقضضنا على الفلافل المحشية التي كانت هشة من الداخل إلى حد لا يُصدّق وملفوفة من الخارج بطبقة مقرمشة مغطاة بحبوب السمسم.

وعلى طول نفس الشارع بمخبز الحلويات الذي لا يقل شهرة غير أنه يصغر حجمًا “حبيبة” الذي أسسه الأخوان الفلسطينيان في خمسينيات القرن العشرين، امتد الطابور طويلاً بينما ينتظر الجميع لحظة حصولهم على بعض الكنافة التي تتجاوز سعراتها الحرارية حدود السماء والمخبوزات المحشوة بالجبنة المالحة والمغموسة بالشربات ومرشوش عليها الفستق الحلبي المهروس. وقد ذكر محمد المثل الأردني الشهير: “عيار الشبعان 40 لقمة”.

Dead Sea Spa, Jordan.
‭ ‬انطلاقة‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭ ‬الميت

وفي اليوم التالي، بعد التوقف للسباحة في البحر الميت، عدنا إلى الحافلة الصغيرة وانطلقنا في طريقة إلى جوهرة الأردن، البتراء. زاد ثراء المدينة التي كانت عاصمة  مزدهرة للأنباط من تجارة اللبان التي انتشرت عبر أنحاء الجزيرة العربية وما أن دخلنا الموقع العملاق، تجلت أمامنا المشاهد المذهلة لمبنى الخزنة المحفور بالورود بواجهته الحجرية الذي يبدو من فتحة أخدود السيق الضيقة.

وبعيدًا عن الحشود، تبعنا محمد صاعدين نحو 600 درجة سلالم وصولاً إلى قصر النحر العالي، ذاهلين من المنطقة مترامية الأطراف شاسعة المساحة التي يغطيها هذا الموقع الأثري القديم ونظرنا إلى البشر الذين ظهروا من أعلى بحجم النملة بينما يتجولون في الكهوف والمقابر الحجرية المذهلة. وقد كانت هذه الأماكن منازل للبدو قبل اكتشاف الجميع للمكان منذ خمسة قرون.

وربما استبدل البدو الخيام والكهوف بالمنازل الآن، غير أن كرمهم وحسن ضيافتهم لم يتغير قيد أنملة وبعد أن صعدنا نحو 30 ألف درجة سلالم بينما نستكشف البتراء، فقد خلعنا أحذيتنا تاركين إياها عند الباب عند زيارتنا لأسرة محلية. رحبت بنا آمنة عذبة المعاشرة واصطحبتنا إلى غرفة المعيشة لنجلس على الأرض المفروشة على الطراز البدوي.

وقد كان طبق المنسف هو المقدم هذه المرة، وهو الوجبة الوطنية للبلاد والطبق المقدم بكل احتفال خاص. ونظرًا لأصوله البدوية القوية، كان الطبق المشبع في الأصل من لحم الماعز ومرق اللحم، غير أنه تطوّر مع الوقت إلى مزيج غني من لحم الحمل المطهو في الجميد، وهو كرات مجففة من رائب حليب الماعز المتخثر، وتوضع طبقة منه على الأرز وخبز الشراك الرفيع، الذي يستغرق ساعات لإعداده.

وبالجلوس حول الأطباق الكبيرة الشعبية، تشجعنا على تناول الطعام بيدنا اليمنى. وقد أرانا محمد كيف يُستخدم الأرز لنحمل الصلصة ويلف بمهارة مع اللحم في كرات صغيرة قبل أن يقذف بها إلى داخل فمه.

Wadi Rum Desert, Jordan
‭ ‬وادي‭ ‬رم

وقد استقرت رأس الغنم في وسط الطعام. وقد أوضحت آمنة، “إن لم نقدّم الرأس، يعني هذا أننا لا نرحب بضيوفنا من أعماق قلبنا”. “وإذا لمس الضيوف الرأس، فيعني هذا أن ضيوفنا يلمحون إلى أننا لم نقدم طعامًا كافيًا”.

الأردن بوتقة من الثقافات المختلفة كما أن أطباقها ليست باستثناء عن ذلك

وقد عرّفنا محمد في اليوم التالي بشعيب، وهو دليل بدوي يتحدث الإنجليزية ويرتدي الدِشْدَاشَة ووشاحًا أحمر وأبيض. وقد انضم إلينا في الطريق إلى سهل صخري مزخرف بالورود شمال البتراء، حيث قادنا إلى خيمة، يجلس خارجها زوجان بجانب نيران المخيم. صاح شعيب بصوت أجش، وفجأة أحاطت بنا الماعز ذات الآذان المقلوبة، وترددت أصواتهم المرتفعة عبر الوادي عندما بدؤوا في الاجترار على الأعشاب خضراء اللون عبر المراعي الطبيعية.

تتتسم الحياة البدوية التقليدية بالحاجة إلى التنقل مع قطعانهم الحيوانية للرعي، ويشرح شعيب كيف يتم تصميم طعامهم بحيث يلائم حياة التجوال حيث يستمر الجميد بدون فساد لعدة أشهر إذا تم إعداده بشكل صحيح، ويمكن أن يستمر سمن البدو المخلوط بالأعشاب البرية المضادة للبكتيريا حتى عام بدون فساد عند تخزينه في جلد الماعز.

فجأةً، أطبق شعيب على عنزة، وسرعان ما ركعت سارة صاحبة العنزة السوداء وبدأت في حلبها، بأصابع ماهرة تحفز السائل الزبدي في إبريق، بغرض إعداد إفطارنا الذين سنتناوله في الهواء الطلق – بما في ذلك الزعتر وجبن الماعز المفتت وشراب التمر الحلو اللزج – الذي يُتبع بشاي الرعاة البدو بالحليب، وهو حليب الماعز المملوء بالكمادريوس العطري.

بالعودة إلى عمّان، بعد إقامتنا في وادي رم، زرنا بيت ستي – “أي منزل جدتي” – وهو مدرسة للطهي العملي ومشروع اجتماعي مدمج في مشروع واحد. وقد تأسست المدرسة قبل ثماني سنوات على يد ثلاث شقيقات أردنيات كن يرغبن في الحفاظ على منزل جدتهن وتخليد ذاكراها، ويمتلئ البيت بصورهن العائلية، والأطباق والأواني النحاسية من دمشق. إضافة إلى أنه يخلق فرص عمل للنساء المحليات.

Kataif cake with pistachios and fresh honey close-up on a table. horizontal view from above
الكنافة‭ ‬المسكرة‭ ‬المقدمة‭ ‬مع‭ ‬الشربات

أثناء الفصل، لم يذكر أي شيء عن المقادير. بل بدلاً من ذلك، أمرتنا جود ميسيس المفعمة بالحماس بأن نوسّخ أيدينا، لنشعر بملمس عجينة خبز البيتا التي كانت مساعدتها، أم بيان، تعجنها بمهارة تشبه مهارة الماكينات. وقد تعلمنا كيف نعدّ المتبل.

غير أن الحدث الأساسي كان إعداد المقلوبة. بدأنا بوضع “الطماطم المطحونة” في قاع وعاء معدني عملاق، ثم الدجاج “على أن تكون طبقته العلوية لأسفل” والقرنبيط والباذنجان  المشوح قليلاً ، يعلوها الأرز المسلوق بمزيج شهي من البهارات التي لم يتمكن أمهرنا في الطهي من تخمينها جميعا.

ما أن انتهينا من طهي الوجبة، عرض أحد المتطوعين الأقوياء أن يقلب الوعاء على طبق ، لكنه انزلق وللحظة احتبست أنفاس الجميع – هل سينتهي الأمر بعشائنا مبعثرًا على أرضية الشرفة المبلطة؟ غير أنه عدّل وضعها بعد ذلك، بينما انتفخت عضلات ذراعيه، وتجلت القطعة الفنية للعيان.

وعلى صوت المؤذن المنادي، جلسنا نتناول وليمة الأطايب الأردنية التي ساعدنا في إعدادها. وقد قالت جودي “بيتي بيتك”، وهي عبارة بدت وكأنها تلخص رحلتنا بمثالية تامة.

أتفكر في السفر؟ للحجز في رحلة، يُرجى الاتصال بالرقم 6666 316 4 971+ أو زيارة الموقع visit dnatatravel.com

المصدر: سارة جيلبرت / جريدة The Times / تراخيص إخبارية