بلاد التوابل

جزر سولاويزي والتوابل ألم تسمع عنها من قبل؟ كانت هذه الوجهات الإندونيسية الحالمة معزولة عن العالم – حتى اتصلت بالعالم الآن بفضل الرحلات الجوية الجديدة. ينطلق اليكس روبنسون بحثًا عن الفردوس

ألوم ديفيد أتينبورو – الذي غاص بين  الشعاب المرجانية التي تمتلئ بالأسماك، وتجوّل في هذا الفردوس الإندونيسي وشاركها طوال تلك السنوات الماضية بهمس حميمي. والمخرج السينمائي لورانس بلير، التي فتنتني مواجهاته مع كهنة الشامان الغامضين وأنا صبي صغير. ولا يزال بإمكاني تخيله في حلقة من حلقات مسلسله  Ring of Fire وهو يسير مسافات طويلة ليصعد على متن سفن القراصنة ذات الأشرعة السوداء إلى أماكن خيالية كقصص السندباد:  سولاويزي، جزر التوابل… أسماء يسيل لها اللعاب بل تكاد تشعر أن بإمكانك تذوقها. وقد أصاباني بالهوس.

في سنوات صباي، قرأت عن التلال التي تعج بالمومياوات، وطيور أبو قرن التي تصل أحجامها إلى حجم النسور والغابات التي تفوح بشذى جوزة الطيب. ولطالما اشتقت إلى الذهاب إلى جزيرة سولاويزي وجزر التوابل التي تقع على أطراف إندونسيا في عدن إستوائية خارقة للطبيعة. باعتباري رحالة بحقيبة على ظهري، وصلت إلى بالي ووجدت الحانات والشواطئ المزدحمة. ضحك المرشد السياحي المحلي على وجهي. فقد ذكر لي أن جزر سولاويزي والتوابل تبعد مسافة أسابيع. على القوارب التي لم تبحر على الإطلاق.

غير أن صور الطفولة التي لم تفارق مخيلتي ولم يغمض لي جفن، فالآن بعد عقود طويلة، أوشكت أحلامي أن تصبح حقيقة. تلألأت صفحة مياه المحيط الهادي التي تراءت من تحت جناح الطائرة متدرجة من الأزرق إلى الفيروزي لمياه جزيرة الكنز. كما تراءت أشرطة من الشواطئ البيضاء والغابات داكنة الخضرة والجبال المتعرجة. ها أنا أخيرًا على وشك الهبوط في سولاويزي. شعرت بقلبي ينبض بعنف حتى يكاد يقفز من أضلعي.

Tana Toraja Traditional House, Sulawesi Indonesia
صف‭ ‬من‭ ‬البيوت‭ ‬الخشبية‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬سولاويزي

كانت جزر سولاويزي والتوابل تبهر الأنفاس وتخلب الألباب كما تخيلتها منذ طفولتي

ما الذي تغير؟ لقد ازدهرت البلاد. ويسافر الإندونيسيون الآن. إضافة إلى الرحلات الجوية الداخلية الرخيصة مع شركة غارودا إندونيسيا، وهي شركة الطيران الوطنية، التي تعني سهولة الوصول إلى جزر سولاويزي والتوابل. وقد اخترت وجهاتي بعناية؛ فلا بد أن تتمتع بأقصى درجات الجمال مع سهولة الوصول إليها.  سأزور توراجا، وهي مملكة جبلية قديمة في مرتفعات سولاويزي، لأشاهد القرى القبلية وكهنة الشامان مثل لورانس بلير. بعد ذلك سأسافر إلى سيرام، أحد أكبر جزر التوابل، كما سمعت، لأشاهد الغابات التي تفوح بعبق القرنفل والشعاب المرجانية.

لدى وصولي إلى سولاويزي، وداخلي بركان من الإثارة، قابلني شاب محلي توراجي يرتدي ملابس أنيقة مع بنطال جينز من علامة تجارية شهيرة وابتسامة تكشف عن أسنان بيضاء.

صافحني بقوة وقدّم نفسه باسم “هنريك”.

خطر لي أن الاسم سويدي، بينما كنا نتجه بعيدًا عن المطار على طريق سريع يزدحم بالدراجات النارية ويصطف بإعلانات لمعجون أسنان. بدا طابع المكان حضريًا للغاية. ثم سألني هنريك عن فريق كرة القدم الذي كنت أشجعه في الدوري الممتاز. وشعرت حينها بأن أحلام طفولتي تتحطم أمام عيني.

كنت كسائح صيني أتى إلى بريطانيا بحثًا عن الرجال الذين يرتدون قبعات البولر. فقد وجدت أن الجمال والبهاء، الذي تخيلته، عندما سجلت وصولي في فندقي، قد ولى عن سولاويزي منذ فترة طويلة.

غير أني كنت مخطئًا، ففي صباح اليوم التالي غادرنا المناطق الحضرية إلى طرق صغيرة ضيقة أدت إلى غابة كثيفة. وبلغنا قمة سلسلة من التلال وأنزلنا حقائبنا ولوحنا للسائق مودعين.

وقال هنريك: “مرحبًا بك في توراجا الحقيقية”.

لقد شعرت في هذه هي لحظة كأني لورنس بلير، أتسلق الجبال إلى تلك القرى السحرية بحثًا عن كهنة الشامان والتوابيت المعلقة. لكن قبل الانطلاق، منحني هنريك لحظة لأستمتع بالمنظر. تنتشر على مد البصر حقول الأرز بلونها الأخضر الزاهي مقسمة إلى أحواض تمتلئ بالمياه إلى الأودية التي يغشاها ضباب الصباح. وبزغت قبعات المزارعين بين المنحدرات. واستكانت الكنائس المبنية على الطراز الهولندي في قلب المنحدرات، وتجمع حول أبراجها أغرب المنازل التي رأيتها على الإطلاق – مستطيلات خشبية طويلة تعلوها أسقف مقعرة إلى عمق شديد قبل أن ترتفع إلى أعلى على شكل جملونات مرتفعة. وقد بدت مثل السفن الشراعية المهجورة في التلال نتيجة للفيضان المنحسر.

Toraja landscape
مناظر‭ ‬سولاويزي‭ ‬الطبيعية‭ ‬

وقد أدت بنا نزهة مدتها ثلاث ساعات إلى طريق بمشاهد خلابة إلى قلب القرية. وبدت المنازل أكثر غرابة عن كثب. وتحت الإفريز المنحني، كانت المباني مغطاة بنقوش حمراء وبيضاء وسوداء معقدة: كنقوش الماندلا الشبيهة بالعجلات، والحلزونات الدوامية وأقنعة من وجه الأبقار بقرون. وفي المقدمة كانت أعمدة الطوطم التي يصل طولها خمسة أمتار، مرصوصة بجماجم الجاموس. ولوح طفل صغير لنا من النافذة وعلى شفتيه ابتسامة عريضة.

انقضى الصباح وأشرقت الشمس الذهبية معلنة وصول الظهيرة أثناء سيرنا. وحلق من فوق رؤوسنا عُقاب كما دعتنا مجموعة من السيدات يرتدين القبعات المخروطية إلى حقل أرز، وقد ضحكن أثناء التقاط صورهن. وصلنا إلى قرية أخرى. وعند مدخلها رأيت جرفًا طويل الارتفاع كبناية من الشقق، كما رأيته تمامًا على شاشة التلفزيون وأنا صبي صغير. وقد كان مليئًا بالثقوب المقعرة والمغلقة بأبواب مستديرة تشبه أبواب منازل الهوبيت. وقد دعمّت واجهة البعض بالعارضات الخشبية المطلية – وداخلها نماذج من الموتى، يرتدون ملابسهم القديمة. كما رأيت المزيد من جماجم الجاموس. 

وفي تلك الليلة، نمت في بيت طويل معبأ برائحة دخان الخشب، تحت سماء مرصعة بالنجوم. وقد حلمت بأرواح الأموات. عندما استيقظت، كانت القرية مزدحمة بالناس الذين يصلون سيرًا على الأقدام وفي مركبات الفان الصغيرة. وقد افتر ثغر هنريك عن ابتسامة. ثم قال وهو يغمز لي: “ألم تُرد سحر توراجا؟”. “لقد أتيت بك إلى جنازة”. 

كان جميع الضيوف الذين يصلون حالتهم المعنوية مرتفعة، ويضحكون، ويضربون ظهور بعضهم بعضًا، ويتعانقون. وقد شعرت وكأنها وليمة زفاف أكثر من كونها ميتمًا. وكان العديد منهم يحملون الخنازير الصارخة على حراب مدببة من الخيزران. كما كان هناك سياح أيضًا – ما بين مجموعة صغيرة من الفرنسيين وبعض الرحالة الإيطاليين الجريئين. وقد تلاقينا في ساحة عشبية تصطف على جانبيها المنازل الطويلة. وقد استقر تابوت أسطواني مطلي بألوان زاهية أمام أكبر هذه المنازل على منصة منحوتة. وقد ملأ القرويون الساحة. سلمني هنريك عباءة وعصابة رأس مدببة مخصصة للمعابد. يجب أن أبدّل ملابسي، فهذا حدث مقدس. ففعلت ذلك وجلست مع الزائرين الآخرين على حصائر من الخيزران، بين سكان توراجا المبتسمين.

Torajan funeral celebration, women in trad dress
‭ ‬النساء‭ ‬يرتدون‭ ‬الملابس‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬مراسم‭ ‬جنازة

سمعت صوت دمدمة وخشخشة ثم صوتًا عميقًايتحدث عبر مكبرات الصوت. وقد ربطت الصوت برجل يجلس مرتديًا نظارات شمس لامعة يكسو رأسه شعر أسود لامع. وكان يجلس أمام أكبر المنازل، مواجهًا التابوت.

وقال هنريك “إنه كاهن شامان ومتحدث في المناسبات”. “ويتحدث عن مراسم توراجا، ويخبرنا عن حياة السيدة الراقدة في التابوت”. وقد خفض كاهن الشامان رأسه بالميكروفون، ثم تغيرت نبرته، لتصبح أكثر تقديسًا، كهنوتية.

“و الآن يتلو التعاويذ، ويطلب منا أن نصلي من أجل روحها في رحلتها إلى الحياة الآخرة. ويصلي من أجل مرشدها”. وأشار هنريك إلى جاموسة مربوطة في عارضة خشبية. “سترافقها روح الجاموسة”.

وخرج شاب بسكين طويل أمام الحشود. وقد صاح مدير المراسم الشاماني باسمه، كما لو كان مصارعًا أو مصارع ثيران بطلًا. ثم رقص حامل السكين أمام الجاموسة، فترنح الحيوان بعيدًا. فرقص مرة أخرى،منحرفًا

متجاوزًا قرونه المتأرجحة، وانقض بضربة واحدة مسببًا قطعًا جراحيًا واحدًا شق حلقها. فأجفلت ونظرت بعيدًا. وفي الوقت الذي استدرت فيه عائدًا، كان الحيوان قد مات.

بينما انفغرت أفواه الفرنسيين دهشة. بينما غادرت وجوه الإيطاليين الدماء. وقبل أن نتمكن من أن نسترد رباطة جأشنا، كانت الجثة قد اختفت. فقد حملت بعيدًا لتقطع للجزارة.

قال هنريك مبتسمًا “سيأكل الجميع – الأسرة الغنية التي اشترت الجاموسة وأدقع أفراد القرية فقرًا. ونحن أيضًا”. وتصل الأطباق المتصاعد منها الأبخرة بعد أقل من ساعة – وعليها اللحم المشوي بقاذفة اللهب. “في ولائم الجنازات لا يُهدر أي شيء”.

كان الأمر مذهلاً: من مدير المراسم الغريب، ونظام الصوت المرتفع الحديث، وصخب القرية وقاذفات اللهب، وفي قلبها، أمر قديم وبدائي كرجل الخوص. لم يكن هذا ما كنت أتوقعه من أحلام طفولتي المتعلقة بلورنس بلير، غير أنها لم تقل غرابة وروعة.

والآن هل سأجد الغابات التي صوّرها ديفيد أتينبورو، والشعاب المرجانية في سيرام، أم سأجد شيئًا مختلفًا تمامًا؟ وما الذي ستتجلى عنه سيرام في الواقع؟

غطت الغابة غمامة من السحب المرتفعة التي ذابت في الهواء مكونة قوس قزح مع انعكاس ضوء الشمس عليها

كانت الإجابة عن سؤالي هي الجمال. الجمال البري الخلاب. ومن اللحظة التي هبطت فيها وبدأت الرحلة إلى الساحل الشمالي مع مرشدي الجديد، فيكتور. بالرغم من أنه قد تم قطع الغابات في معظم أنحاء آسيا، فقد نمت من جديد إلى كرمات متشابكة. ولكن رأيت هنا أشجارًا عملاقة، مزينة بالزنجبيل البري وتتساقط منها البروميلية. كما تصطف قِردة المكّاك السوداء المهددة بالانقراض مبتسمة على طول الطريق. تسلقنا إلى الطريق المركزي للجزيرة وهبت علينا عاصفة مطيرة هطلت فوق رؤوسنا كالسيل العارم، وتنزل قطراتها بحجم الفاصوليا أثناء هبوطنا إلى الجانب الآخر. توقف فيكتور فجأة، وهرع وعاد محملاً بفاكهة تشبه المشمش. وقد قسم واحدة منها إلى نصفين كاشفًا عن بذرة داكنة يحيط بها نسيج وردي. وامتلأت السيارة بعطر حلو حار. إنها جوزة الطيب.

Labengki Island, Southeast Sulawesi, Indonesia
شاطئ‭ ‬مصطف‭ ‬بأشجار‭ ‬النخيل‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬لابنجيكي‭ ‬في‭ ‬سولاويزي

انطلقنا في زورق سريع قديم نحو امتداد ساحل سيرام الذي لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق البحر. وسرعان ما تحول لون المياه الفيروزي إلى الأزرق الداكن للمحيط الهادي. وبينما نغادر الشاطئ، شاهدت الجبال المزروعة بجوزة الطيب التي تسلقنا فوقها – وجدارًا غير مستوٍ ينحدر حتى يلامس مياه البحر. غطت الغابة غمامة من السحب المرتفعة التي ذابت في الهواء مكونة قوس قزح مع انعكاس ضوء الشمس عليها. استدرنا حول رأس بحرية أخرى ليتراءى أمام أعيننا منظر آخر يبهر الأنفاس: تلال من الحجر الجيري تنحدر بانسيابية لتلامس الشواطئ العسلية. وأمكنني تبين هيئة من بعيد تذهب ثم تقفل عائدة على الرمال إلى كابينة من قش النخيل تستقر على ركائز فوق بحر تفترشه الشعاب المرجانية. إنه منتجع أورا. وجهتي المنشودة.

قضيت فترة بعد الظهيرة مستلقيًا على باحة كابنتي، أشاهد السمك وهو يلعب عند قدمي. وتبرز السلاحف من الماء من وقت لآخر لتتنفس الهواء. ويلقي الصيادون شباكهم. وألقى أحدهم برمح – لإمساك سمكة مرلينية زرقاء، كما عرفت لاحقًا. وعلى مسافة بعيدة، تهادى زورق طويل يحمل تلاميذ المدارس إلى قريتهم لصيد الأسماك، متجاوزًا قبة مسجد بعيد تحيط به أشجار النخيل.

أمضيت أيامًا في تناول الطعام والقراءة والسباحة أعلى الشعاب المرجانية التي لم تشوهها يد بشر بعد كتلك التي ملأتني بمشاعر التعجب والغبطة التي لطالما شعرت بها بينما أشاهد ديفيد أتينبورو طوال تلك السنوات الماضية. كانت أسماك المهرج تحتمي بين شقائق نعمان البحر، بينما سبح سرب كبير من أسماك الشيم الحصاني متجاوزًا منطقة النزول، كما أن الأسماك الببغائية حدباء الرأس وردية اللون واللازوردية التي يبلغ حجم كل منها حجم كلب الماستيف، تستمر في مضغ وتقشير الشعاب المرجانية وتنفث من أفواهها التي تشبه المنقار رمالاً.

في يومي الأخير، اصطحبني فيكتور على طول نهر سالاوي صاعدًا الساحل مبتعدين عن المنتجع. ومررنا على مستوطنات صغيرة حيث تجفف العائلات القرنفل تحت أشعة الشمس الحارقة، فيعطّر الهواء برائحته الذكية. يقذف الأطفال أشجار النخيل ليقطفوا ثمارها ثم يغسلونها لتترك عجينة من السكر الأحمر: دقيق الساغو، وهي مادة تشبه السميد تشكل حلوى مدرسية شهية. ثم عدنا إلى الغابة البرية. ووقد رأينا طيور أبو قرن، والنسور الكبيرة التي تطير من شجرة إلى شجرة، والفلنجر الدُبّيّ – وهو دب جرابي صغير، متكورًا حول فرع شجرة.

كان الهواء معطرًا بعبير زهور الغابة وملح البحر ونفحات القرنفل المجفف. كانت فردوسًا. كانت جزر سولاويزي والتوابل تبهر الأنفاس وتخلب الألباب كما تخيلتها منذ طفولتي. ومع ذلك، فقد كانت أكثر جمالاً بطريقة لم أكن لأستطيع تخيلها: هذا المزيج الرائع من الأصالة القديمة والحداثة المعاصرة في توراجا، ونهر نخيل الساغو وغابات جوزة الطيب في سيرام. ولم أر سوى القشرة الظاهرية للمكان: فتقارب سولاويزي في مساحتها بريطانيا ويوجد ما يربو عن ألف جزيرة توابل. وإن سألتني إن كنت قد حققت أحلامي؟ كلا، على الإطلاق. فقد كنت أحلم بالمزيد.

أتفكر في السفر؟ للحجز في رحلة، يُرجى الاتصال بالرقم 6666 316 4 971+ أو زيارة الموقع visit dnatatravel.com

المصدر: The Sunday Times Travel Magazine / تراخيص إخبارية